عام التوطين: الجزء الثالث بدون تعليقات

الكاتب: 12 April, 2013
الزيارات: 12,200 مشاهدات

banatzayed taw6een career

بقلم:  جابر محمد

التوطين المزيف

لم يكد عام التوطين 2013 يبدأ، ومع ذلك احتفلت بعض المؤسسات بإنجازاتها في التوطين! بدأت حفلات التكريم وانتشرت أخبار النجاح في صحفنا. نبشركم، عام التوطين نجح نجاحا باهرا، قبل أن ينتهي الشهر الأول منه! بالضبط كما نجح عام الهوية الوطنية (2008) الذي كانت أهدافه الواردة في كلمة صاحب السمو رئيس الدولة: “الحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيزها ومحاربة الأخطار المحدقة بها“.. نجح طبعا لو كان المعيار الوحيد لقياس النجاح هو ما ينشره إعلامنا النائم من مقالات تجارية مدفوعة مسبقا (أو لاحقا في حفلات نهاية العام التي يتم فيها تكريم وسائل الإعلام “المتعاونة”)، نجح العام لو كان المعيار هو ما تعده شركات التسويق والعلاقات العامة من أحداث وفعاليات ورعايات تلمع فيها صور المؤسسات و “دورها الفعال في دعم الحملات الوطنية وإنجاح أهدافها”. لكن كما قتل التزوير عام الهوية الوطنية، وجعلنا نحتفل بإنجازات وهمية ونوثقها حتى في مناهج المدارس، فالتزوير على وشك قتل عام التوطين أيضا، قبل أن يبدأ فعلا..

أسباب قيام بعض المؤسسات بتزوير التوطين ناقشناها في المقال السابق (عام التوطين (2): لماذا يتجنب القطاع الخاص توظيف الإماراتيين؟)، فالموظف المواطن قد يكلف المؤسسة كثيرا وقد يكون التخلص منه صعبا، كما قد يكون أقل إنتاجية من غيره. أضف إلى ذلك التناقض واللامنطقية التي تعاني منه أكثر المؤسسات، حتى الوطنية منها، حيث يتم الإعتماد على موظفين أجانب في إعداد خطط للتوطين هدفها على المدى البعيد استبدال الأجانب بموظفين إماراتيين، ولكن المؤسسات ترغب بركوب موجة التوطين والظهور في صورة الشركات الراعية للحملات الوطنية. فيكون من الطبيعي أن تلجأ المؤسسات لحيل مختلفة للتنصل من التوطين، أستعرض في مقالي هذا أنواع شائعة منها.

الرعاية والإبتعاث

شركات كثيرة تقوم برعاية طلاب الجامعات الإماراتيين. تغطي بعض نفقات دراستهم وتصرف لهم في أحيان كثيرة رواتب شهرية ومكافآت. بعض هذه المؤسسات ترعى طلابا يدرسون في جامعات حكومية مجانية. وهذا شئ جميل جدا. الغريب أن هذه الشركات توقع عقود عمل مع الطلاب الذين ترعاهم، وتصدر لهم أرقام توظيف. ثم تنساهم تماما. لا يهمها تحصيلهم الدراسي. تعتذر في أحيان كثيرة للطلاب الراغبين في قضاء فترة التدريب الوظيفي في مكاتبها، وإن وافقت أعطتهم مهام ثانوية. وعندما يتخرج الطالب، لا تشترط الشركة أن يعمل بها. تعطيه الحرية في العمل في أي مؤسسة أخرى! ماهو السر؟ ببساطة المؤسسة تقوم بتزوير التوطين. تعتبر هذا الطالب موظفا لديها. تكلفته هامشية مقارنة بتكلفة الموظف الحقيقي، فراتبه لا يتعدى 10% من راتب الموظف، وفي العادة يكون راتبه من ميزانية المسؤولية المجتمعية CSR وليس من كادر التوظيف. فتكون المؤسسة قد رفعت نسبة التوطين فيها بالأرقام فقط دون الحاجة لتعيين موظفين إماراتيين، وظهرت في الوقت نفسه بصورة المؤسسة الراعية للشباب والتعليم، وتستطيع التوقف عن هذه الرعايات في أي وقت إن دعت الحاجة لذلك. هذا النظام منتشر بكثرة في البنوك.

نوع آخر من الرعاية والإبتعاث هو تنظيم دورات مهنية طويلة الأمد للمواطنين. تضم المؤسسة الخريج وتخضعه لـ “برنامج تأهيلي”. يعمل في المؤسسة لفترة تتراوح بين 6 أشهر وسنتين. وبعد نهاية الفترة يُعطى شهادة بأنه اجتاز الدورة، تستفيد المؤسسة من المواطن الإماراتي الذي ينخرط في البرنامج، تسجله ضمن كشوف الموظفين، وتتخلص منه بسهولة بعد انقضاء فترة البرنامج وتبحث عن غيره دون الحاجة للإلتزام مع أي موظف حقيقي.

التعهيد Outsourcing

التعهيد وما أدراك ما التعهيد. أحد أكثر حيل تزييف التوطين مكرا ودهاء! المؤسسة (س) مكونة من 1000 موظف مثلا. منهم 100 موظف إماراتي، أي بنسبة 10% من مجموع موظفي المؤسسة. وترغب المؤسسة بزيادة هذه النسبة تماشيا مع موضة التوطين. فتقوم بتسريح 500 موظف مثلا، ثم تقوم بتعيينهم في الشركة (ص)، المملوكة للشركة (س) أو المتعاونة معها. ثم تتعاقد الشركة (س) مع الشركة (ص) بعقد تعهيد. فتكون الشركة (س) على الورق مكونة من 500 موظف. يكون الإماراتيون منهم 100. فوصلت نسبة التوطين إلى 20% فجأة، دون الحاجة لتعيين إماراتي واحد، ودون الحاجة للتخلص فعليا من أجنبي واحد. وتستطيع الشركة (س) بنفس الطريقة أن تضم عددا غير محدود من الموظفين الأجانب الجدد، دون الإضرار بنسبة التوطين لديها. ببساطة ستقوم بتوظيفهم في الشركة (ص) أو شركات تعهيد أخرى. هذه الظاهرة في ازدياد، فمن السهل جدا تعهيد أقسام كخدمات الدعم الفني والمبيعات والتجزئة والخدمات الحكومية والتعقيب والتنظيف والخدمات القانونية والتسويق وغيرها. لذلك نلاحظ أن المؤسسات الكبرى في الدولة مثل مؤسسات الإتصالات والإعلام أصبحت عبارة عن مجموعة من الشركات. شركة أم تسوق نفسها على أنها الشركة الوطنية الرائدة، وشركات فرعية كثيرة تعمل في الظل وتتخصص في مهام مختلفة. عندما يأتي الوقت لاستعراض نسب التوطين، ترى المؤسسة تعطي إحصائيات الشركة الأم فقط، فهي لا تضم إلا موظفين إداريين أكثرهم من المواطنين. فتتباهى بزيادة نسبة الموظفين الإماراتيين فيها، بينما الشركات الفرعية الأخرى التي تؤدي مختلف المهام الفنية الحيوية، فيندر فيها العنصر المواطن ولا تتم تغطيتها عند احتساب نسب التوطين. والأمر مشابه عندما تعلن شركة ما عن زيادة نسب التوطين “في المناصب العليا”، وهذا مصطلح مبهم كثيرا وتستخدمه بعض الشركات كناية عن أعضاء مجلس الإدارة فقط!

البطالة المقنعة

البطالة المقنعة هي مصطلح يطلق على ظاهرة تعيين موظفين وصرف رواتب كاملة لهم، دون توقع أي عمل أو إنتاجية منهم. شركات خاصة كثيرة تقدم على ذلك. توظف إماراتيين بهدف ركنهم في إحدى زوايا الشركة وإبقائهم هناك، وفي أحيان كثيرة يتم إعطاؤهم تقييمات إيجابية مرتفعة في نهاية كل عام رغم انعدام إنتاجيتهم، بهدف تخديرهم من ناحية ومن ناحية أخرى لتبرير استمرار توظيفهم لهؤلاء المواطنين رغم تدهور أدائهم الوظيفي، فالهدف الوحيد من وجودهم هو الظهور في كشوف الموظفين كعمالة محلية. هذا التصرف الخطير جدا ينتج عن تعامل الشركات الخاصة مع التوطين على أنه ضريبة تفرضها الحكومة على المؤسسات، مقابل السماح لها بالعمل داخل الدولة والحصول على تسهيلات معينة أو حق الدخول في مناقصات حكومية. يكون القائمون على الشركة قد وصلوا لقناعة بأن الموظف الإماراتي غير قادر على استيعاب متطلبات العمل، فيصبح هدفهم هو البحث عن موظفين مواطنين سلبيين، يبحثون عن وظيفة سهلة بلا أي مسؤوليات أو ضغوطات. والمصيبة أن العثور على أمثال هؤلاء سهل. لدينا للأسف من يقبل بوظائف مثل هذه، وهؤلاء يجعلون وضع المواطن وسمعته في القطاع الخاص أسوأ ويضيفون لكل وجهات النظر السيئة المسبقة عنهم، كما يثبتون للجميع أن الحاجة للعنصر الأجنبي ملحّة في ظل عدم كفاءة المواطن. ولا أرى ذلك مختلفا كثيرا عن قبول رشوة مقابل التستر على مخالفة النظام. عندما تسمع عن شركة خاصة تبحث عن موظفين بخبرات عشوائية أو متقاعدين، فضع نواياها تحت المجهر.

بادرات التوطين التي لا تهدف إلا لجعل الأرقام جميلة وصبغ الصور في الصحف باللون الوردي حتى وإن كان الواقع داكنا، هي متاجرة بمصلحة المواطن وتزوير للواقع واستخفاف ببادرة صاحب السمو رئيس مجلس الوزراء. من الضروري أن ترفضها الدولة وتحاسب عليها وتضع القواعد والتشريعات لمنع مثل هذا العبث. عانينا كثيرا أثناء فترة الطفرة العمرانية من مسؤولين يبنون جبالا من وهم. يحتفلون بنجاح مشاريع لم يتم وضع حجر الأساس لها بعد. وما زالت آثار مسرحياتهم الإعلامية ظاهرة على اقتصادنا. يجب أن تصبح المصداقية والشفافية قانونا، وأن يتم إجبار الإعلام على تناول الواقع وعرضه كما هو بعيدا عن المصالح الشخصية والتغطيات المدفوعة لتلميع المؤسسات والمسؤولين. وإن أغفلنا هذا الجانب فالأحرى أن نحتفل مع المحتفلين بنجاح عام التوطين، قبل أن يبدأ.

موضوع سابق

عام التوطين: الجزء الاول

عام التوطين: الجزء الثاني

تويتر الموقع

نبذة عن بنات زايد

مدونه اماراتيه شاملة تنشر المثير والجديد في الامارات والخليج والوطن العربي والاسلامي

إكتب تعليقك


حقوق الطبع والنشر 2009-2012 لـ مدونة بنات زايد | BanatZayed Blog جميع الحقوق محفوظة. يتم تطويره بواسطة CWS