عام التوطين: الجزء الرابع والاخير بدون تعليقات

الكاتب: 13 April, 2013
الزيارات: 10,907 مشاهدات

banatzayed taw6een career

بقلم:  جابر محمد

: ماهو حجم المشكلة ولماذا لم نتعامل معها من قبل؟

عندما يتدخل رئيس مجلس إدارة مؤسسة ما في موضوع بديهي، ويصدر قرارا رسميا باسمه في أمر من المفترض أن يكون ضمن صلاحيات موظفين أدنى منه درجة وظيفية بكثير، نعلم أن هناك خللا ما في المؤسسة. هناك تقصير من أطراف كثيرة اضطر رئيس مجلس الإدارة أن يقرر تجاوز السلم الوظيفي كاملا، وأن يتدخل شخصيا ليعدل الأمور بيده. هل يختلف الأمر كثيرا في هذا السيناريو عن حاجة دولة الإمارات للتدخل الشخصي من صاحب السمو رئيس الدولة لإطلاق بادرات التوطين؟ هل يختلف ذلك عن أمر صاحب السمو رئيس مجلس الوزراء بالتركيز على التوطين في عام 2013؟ هل فكرنا في دوافع هذا التدخل من أعلى المستويات؟ ألا يبدو لكم غريبا أننا بعد مرور 41 عاما على إتحاد الدولة واستقلالها، ونصف قرن على دخولنا عصر المدنية، ننادي الآن بالإعتماد على أهل البلد في إدارتها؟ ننتظر تدخل رئيس الدولة ونائبه لكي نتحرك؟ هل المشكلة بهذا الحجم؟ ما الذي أوصلنا لهذه المرحلة؟ ومن أوصلنا إليها؟

حجم المشكلة

لنتعرف أكثر على المشكلة. حسب تقديرات المركز الوطني للإحصاء لعام 2010، فإن سكان دولة الإمارات يقدرون بـ 8.26 مليون نسمة. منهم 11.5% من مواطني الدولة، و88.5% من الوافدين (المصدر). رقم غريب لكنه ليس سرا ولا بالجديد عليكم. أما الرقم الأغرب من ذلك فهو معدل البطالة بين المواطنين حسب نفس المركز، فقد وصل في عام 2011 إلى 20.8% بين مواطني الدولة و3.2% لدى غير المواطنين المقيمين فيها (المصدر). منطقيا فدولة عدد سكانها 8.26 مليون نسمة، بها وظائف تكفي على الأقل 5 ملايين نسمة. عدد المواطنين في الدولة هو 948 ألف نسمة، بالمنطق نفسه، نستطيع أن نجد وظائف لكل مواطن (بما في ذلك المواطن الذي تلده أمه أثناء قراءتك لهذه الأسطر). لكن هل نحن فعلا نبحث عن وظائف لكل هؤلاء؟ هل نبحث عن وظائف ل20% منهم؟ كلا. الرقم المطلوب أقل من ذلك بكثير، فحسب تعريف منظمة العمل الدولية ILO، “العاطل هو كل قادر على العمل وراغب فيه، ويبحث عنه، ويقبله عند مستوى الأجور السائد، لكن دون جدوى.” بمعنى آخر خذ عدد المواطنين المذكور (947 ألف)، اخصم منه الأطفال وكل من هم دون سن العمل، واحذف كبار السن والمتقاعدين، احذف ربات البيوت، احذف المقعدين، احذف غير الراغبين في العمل لأسباب منها الثراء أو وجود دخل مجز ثابت من مصادر غير الوظيفة. كم تبقى من المواطنين؟ اخصم 80% من العدد الذي تبقى. ينتج لك العدد الحقيقي للعاطلين في دولة الإمارات. لماذا عجزنا عن توظيف هذا العدد الضئيل الهامشي في ظل حجم اقتصادنا ووجود كل هذه المؤسسات العامة والخاصة فيه؟

إذن حجم المشكلة بسيط؟ كلا. إطلاقا! المشكلة ضخمة بكل المقايييس فالموضوع نسبة وتناسب. في أوروبا كانت أعلى نسبة بطالة تسجل في التاريخ هي 11.8% (المصدر). في مصر عندما وصلت نسبة البطالة إلى 9% حصلت ثورة أنهت حكم نظام استمر لأكثر من نصف قرن (المصدر). اقتراب نسبة البطالة من 10% دائما ينتج عنه ارتفاع معدل الجرائم. ويسهل على الجهات الخارجية التأثير على المواطنين العاطلين لتنفيذ أجندات معادية. إذا كانت نواقيس الخطر تقرع عند 10% فما بالكم بوصولها لـ 20.8%؟ تدخل رئيس الدولة ونائبه لم يأتي من فراغ أبدا.

هل نلوم الأجانب؟

التدخل كان ضروريا لأن كل محاولات التوطين السابقة كانت موجهة في اتجاهات خاطئة. بعضها أدى إلى زيادة الطين بلة وزيادة الموقف سوءا. فكثير من النقاشات حول مسألة التوطين يتم توجيهها ضد الأجانب كأنهم هم المتسببين في المشكلة، بينما الواقع يقول أنهم مجرد نتائج للمشكلة. الأجنبي لم يعطي لنفسه تأشيرة دخول ولم يوظف نفسه بنفسه. إن كان هناك مدير أجنبي للموارد البشرية لا يرى كفاءة المواطن، فالسبب هو عدم وجود توجيهات إدارية عليا بالتوطين. إن لم يكن هناك مواطنون في الإدارة العليا يفرضون هذا الشئ، فمن عيّن هذه الإدارة العليا؟ إن كان المواطن يفتقد فعلا للكفاءة فمن أوصله لهذه المرحلة غير النظام التعليمي في الدولة؟ إذا كان النظام التعليمي يستخدم وافدين غير أصحاب كفاءة فمن عينهم وأبقاهم؟ تضييع الوقت في لوم الأجانب والتعبئة ضدهم لا يحل المشكلة. فلنتوقف عن محاولة قطع أذرع الأخطبوط ولنبحث عن الرأس.

لنتحدث عن أمثلة من الواقع. عندما حاولت الدولة ضمان كفاءة الخريج الإماراتي، أصرت على عدم توظيف أي مواطن إلا إذا كان متخرجا من جامعات “معترف بها” من وزارة التعليم العالي في الدولة. وهذا شئ جيد. لكن المصيبة عندما يتم استثناء الأجانب من هذا الشرط! تصوروا أن يتخرج مواطن من جامعة ما، ويتخرج زميله الأجنبي من نفس الجامعة. عندما يتقدم المواطن لطلب وظيفة في الإمارات، يتم رفضه لأن شهادته غير معترف بها، أو يتم توظيفه في درجة دنيا كخريج ثانوية عامة. أما زميله الأجنبي الذي تخرج من نفس الجامعة فيتم التعاقد معه على أنه خبير قادم من الخارج. أنا شخصيا أعرف حالة كهذه، وأتوقع أنها تتكرر باستمرار. هل نلوم الأجنبي هنا؟

نسمع كثيرا عن مواطنين يفشلون في الحصول على وظائف بحجة أنهم يفتقرون للخبرة. لكن تصرف الدولة يوميا مئات التأشيرات لموظفين أجانب تخرجوا من جامعاتهم للتو ودون أي خبرة عملية. في حالات أخرى كثيرة ترى المؤسسات تتعاقد مع أجنبي للعمل ضمن مجال تخصصه، ثم تنقله من هذه الوظيفة لوظائف لا علاقة له بتخصصه، أو تقوم بترقيته لمناصب إدارية أكبر. إذا كانت المؤسسة قد تعاقدت معه للعمل في تخصص فني معين غير متوفر داخل الدولة، فلماذا يتم نقله لمجالات أخرى؟ هل فتشنا لو كان هناك من يستطيع أداء مهامه الجديدة داخل الدولة؟ هل يمتلك الخبرة اللازمة لأداء المهام الجديدة؟ أم شرط الخبرة هذا مقتصر على المواطن؟

الإهمال والعشوائية في تناول المشكلة

لنعد للتوطين والبادرات الكثيرة التي نسمع عنها. أعرف شخصا تقدم لوظيفة عبر إحدى الجهات المختصة بالتوطين في إحدى الإمارات. تحمس له موظف جهة التوطين في البداية وأكد له بأن الكثير من مؤسسات الإمارة مهتمة بخبراته ومهاراته، لكن عندما جاء وقت الجد وملء الإستمارات سأله: “هل جواز سفرك صادر من إمارتنا؟”. قال: “لا، جوازي صادر من الإمارة المجاورة”. اعتذر منه الموظف بأدب لأن جهة التوطين التي يمثلها لا توظف إلا “مواطني هذه الإمارة”! مواطنو إمارة؟ هل نحن بحاجة لتعريف كلمتي “الوطن” و “المواطن” بعد 41 عاما من الإتحاد؟ إذا كان هناك موظف من إمارة أخرى قادر على الحلول محل الأجنبي، فلماذا نحرم الوطن من هذه الفرصة ونفرض عليه الموظف الأجنبي؟ بأي منطق أصبح التعامل مع موظف إمارة ما مختلفا عن التعامل مع موظف إمارة أخرى؟

قبل أيام حضرت جلسة حوارية نظمها أعضاء المجلس الوطني الإتحادي في مجلس الراشدية، ذكر فيها السيد حمد الرحومي نظاما غريبا موجودا في الإمارات، يحدد الحد الأقصى لإجمالي دخل المتقاعد الراغب بالعمل في القطاع الخاص بـ10 آلاف درهم. أي أن المتقاعد الذي يستلم 8 آلاف درهم شهريا من صندوق التقاعد، ويحصل على وظيفة في القطاع الخاص، لا يحق له أن يقبل أكثر من ألفي درهم كراتب شهري عن وظيفته الجديدة، أو أن يتنازل عن راتبه التقاعدي ويقبل الراتب الجديد! لماذا يتم وضع العراقيل أمام المواطن الراغب في العمل بعد تقاعده من الحكومة؟ هذا الشخص خدم الحكومة لعقود، ويرغب بمواصلة العطاء في القطاع الخاص، ولا يشكل عمله الجديد أي إرهاق لميزانية الحكومة، فلماذا لا يتم تفضيله على الأجنبي؟ لماذا نمنعه من زيادة دخله حتى لو وصل إلى مليون درهم شهريا؟

بادرات أخرى كثيرة كانت قيد التنفيذ أو على وشك التنفيذ وتم تعطيلها وصرنا نمشي للخلف. مثلا قرار منع الترافع في المحاكم لغير المواطنين كان يجبر شركات المحاماة الأجنبية على تعيين محامين مواطنين يترافعون باسمها أمام المحاكم، ويحصل هؤلاء المحامون على خبرة غير بسيطة تؤهلهم لافتتاح مكاتب محاماة خاصة لها سمعتها في السوق، بكل بساطة تم التراجع عن هذا القرار في إمارة دبي وحرمان المواطنين من فرص كانت في أيديهم. قرارات مشابهة لتوطين وظائف السكرتارية والموارد البشرية أيضا تم التراجع عنها.

نتحدث كثيرا عن عدم تخريج النظام التعليمي لأجيال تستوفي حاجات سوق العمل، لكن هل يتم التعامل مع هذه المشكلة بشكل جاد ومنطقي؟ قبل عقد من الزمن كان تحليلنا لاحتياجات سوق العمل يتمحور حول الإلمام باللغة الإنجليزية، صارت المدارس والجامعات تركز بشكل غريب على اللغة الإنجليزية وكأن أمريكا تصدرت العالم فقط بسلاح اللغة الإنجليزية، وعجزنا أن نرى كيف تصدرت اليابان وألمانيا والصين دون الحاجة لهذه اللغة الإنجليزية. اليوم لدينا أجيال من المواطنين الذين يجيدون الإنجليزية أفضل من العربية ويستخدمونها حتى في التخاطب بين بعضهم. لكن ما زال سوق العمل غير راغب فيهم، بل صار يشتكي من جهلهم باللغة العربية! هل سنجرب تغيير المناهج مرة أخرى لشئ ونتمنى أن يكون هو ما يحتاج إليه سوق العمل؟ لماذا لا يقوم القائمون على المناهج بمراقبة سوق العمل بشكل دائم والتواصل مباشرة مع القائمين عليه لمعرفة هذه الاحتياجات بدلا من حزرها؟ وإلى متى سيتم تعليم الطلاب وكأنهم سيتخرجون ويدخلون سوق العمل في نهاية الأسبوع؟ إذا لم يكن القائمون على إعداد مناهج الصف السادس في عام 2013 قادرين على استشراف حاجات سوق العمل في عام 2023، فيجب أن يكون واضحا لنا وللمسؤولين منذ اليوم بأننا بعد 10 سنوات سنحصل على جيل جديد من الخريجين عاجز كسابقيه عن إثبات نفسه واستيفاء حاجات سوق العمل، وبالتالي سنستمر في استيراد الخبرات والموظفين من الخارج ونبقى نبكي على التوطين وعلى التركيبة السكانية طويلا. بالمناسبة، ماذا حصل لـ “وثيقة الرؤية التعليمية 2020” التي أعلنت عنها وزارة التربية والتعليم مع دخولنا الألفية الجديدة؟ هل ما زلنا نعمل بها أم أنها مثل بقية خطط الإستهلاك الإعلامي ضاعت في إحدى الأدراج وتغيرت بتغير الأشخاص؟

ما الذي نحتاج إليه أيضا؟ تشريعات وقوانين تحمي المواطن وتحفظ حقوقه في التوظيف؟ هل تعتقدون أن أحد لم يفكر في ذلك من قبل؟ شاهد هذا البند من قانون العمل الإتحادي الصادر في عام 1980 (المادة 14):

“لا يجوز لدائرة العمل الموافقة على استخدام غير المواطنين إلا بعد التأكد من واقع سجلاتهم من أنه لا يوجد بين المواطنين المقيدين في قسم الاستخدام عمال متعطلون قادرون على أداء العمل المطلوب.”

راجع كذلك المادة 9 من نفس القانون:

“العمل حق لمواطني دولة الإمارات العربية المتحدة، ولا يجوز لغيرهم ممارسة العمل داخل الدولة إلا بالشروط المنصوص عليها في هذا القانون والقرارات الصادرة تنفيذا له.”

إذا كانت التشريعات والقوانين التي تحمي المواطن الإماراتي موجودة منذ عقود. فأين المشكلة بالضبط؟ من نلوم؟

مشكلة حيوية كهذه استدعت تدخل رئيس الدولة ونائبه شخصيا فيها. يتحدث عنها الإعلام كثيرا اليوم، لكن أين كان هذا الإعلام “الوطني” منها خلال هذه السنين؟ هل تكونت هذه المشكلة بكل أبعادها التي ذكرناها خلال شهر نوفمبر 2012 مثلا؟ كبار المسؤولين اللذين يظهرون على صفحات الصحف وعلى شبكات التواصل الإلكترونية اليوم لكي يثنوا على كلام الشيخ ويؤكد كل منهم إطلاقه للحملات والبادرات الداعمة للتوطين، ألم يكونوا قد سمعوا عن الموظف المواطن في الماضي؟ ألم يكونوا جزءا من المشكلة؟ لو كان كل هؤلاء في صف التوطين كما يدعون، فمن هو الخصم بالضبط؟ من الذي أوصلنا لهذا الحال؟ هل سنبدأ بوضع اليد على الجرح وعلاجه فورا، أم نستمر في مبارزة طواحين الهواء؟

موضوع سابق

عام التوطين: الجزء الاول

عام التوطين: الجزء الثاني

عام التوطين: الجزء الثالث

تويتر الموقع

نبذة عن بنات زايد

مدونه اماراتيه شاملة تنشر المثير والجديد في الامارات والخليج والوطن العربي والاسلامي

إكتب تعليقك


حقوق الطبع والنشر 2009-2012 لـ مدونة بنات زايد | BanatZayed Blog جميع الحقوق محفوظة. يتم تطويره بواسطة CWS