تعنيف الأبناء بين المسموح والممنوع بدون تعليقات

الكاتب: 23 April, 2015
الزيارات: 25,934 مشاهدات

image

التربية هي أحد الأسس التي تقف على عاتقها تطور المجتمعات وتقدمها فكرياً وحضارياً، والأمر نفسه ينطبق على التنشئة الذي يعرف بالأسلوب الأمثل لتوصيل القيم والأخلاق النبيلة للأبناء. لكل أسرة نهجها الخاص في التربية، وهو نهجٌ نشأ عليه الآباء والأجداد واعتمدوه لأفراد أسرتهم وأبنائهم من بعدهم، منهج الدين والعادات والتقاليد. جميعنا عاش وترعرع عليها وتفاخر بها لأنها تمثل هويته العربية والإسلامية قبل كل شيء، ولكن!! إن أمعنّا التفكير قليلاً في الطريقة أو الأسلوب المعتمد في التربية، لوجدنا أن هناك من يتبع أسلوب اللين القائم على التوازن بين الرفق والشدة في تربيته لأبنائه، وآخرون يفضلون استخدام العنف في توجيههم والحرص على عدم خروجهم عن طاعتهم وإن كان ذلك في غير صالحهم، لأنهم يرون خطراً في زيادة تدليلهم وتركهم يفعلون ما يشاءون كما هو شائع لديهم، وإن كان ذلك ليحرمهم من حنان وعطف الوالدين.
بعض الأهالي يتبعون في تنشأتهم لأبنائهم أسلوب التعنيف النفسي، وهو ممارسة أسلوب التخويف والترهيب في الحرص على عدم الوقوع في الأخطاء مرات ومرات، لكن الخطر يكمن في المبالغة بتعنيفهم على أمورٍ يمكن حلها بشكل ودي ودون اللجوء لمثل هذا النوع من المعاملة، كالتهديد بالضرب ومبالغتهم بوجوب الجلوس في المنزل وعدم الاختلاط بمن يعتبروهم غرباء عنهم، وممارستهم لضغوط نفسية فيما يتعلق بالتعليم، فيلحون عليهم بالتركيز على دراستهم وترك كل ما هو مضيعة للوقت في نظرهم، كالمشاركة في أنشطة رياضية أو ثقافية واجتماعية أو تطوعية. وقد يصل الأمر إلى حد التدخل في قراراتهم الشخصية في الحياة الجامعية، كفرض تخصص معين يتناقض مع ميولهم وحرمانهم من حقهم في اتخاذ القرار، واختيار أصدقائهم لهم، أو إجبارهم على العزلة بعيداً عنهم بسبب خوفهم الشديد من أن يتأثروا بأفكار وتصرفات دخيلة عليهم، مما يؤدي بالنهاية إلى تدمير بنيتهم النفسية وإلغاء شخصيتهم من الوجود وزعزعة الثقة بداخلهم، ويتحولون من أشخاص قياديين يتم الاتكال عليهم إلى أشخاص منقادين مترددين ومنطوين على أنفسهم، يعتمدون على الآخرين في تيسير أمور حياتهم. ليس ذلك فحسب، بل قد يتطور الأمر إلى انعدام الأمان في حياتهم أثناء بحثهم عنه بين جدران منزل العائلة، ولا يجدوه إلا بين أحضان أناس آخرين يجهلون نواياهم الاستغلالية، وتصبح العيادات النفسية هي الملاذ الآمن لهم بعيداً عن سجنهم المنزلي المليء بأوامر لا تنتهي. وربما يتبعون في المقابل نهج التعنيف النفسي في التطاول على أهاليهم عند الكبر، وفرض رأيهم عليهم بهدف الخروج عن سيطرتهم، وإن كان ذلك ليؤدي إلى تفكك الأسرة ووقوعهم في فخ ارتكاب أعمال انحرافية ستؤدي بلا شك إلى ضياعهم وإلحاق الأذى بالآخرين، كإدمان المخدرات ومصاحبة رفاق السوء والتأثر بالفكر الضال لبعض الجماعات والمنظمات المتطرفة.
من الطبيعي أن يخاف كل أبٍ وأمٍّ على أبنائهم وبناتهم، فمهما كبروا سيظلون أطفالاً في نظرهم، يستحقون العناية والاهتمام وإن غدوْا أباءً وأمهاتٍ لأجيال الغد، لكن الخوف المبالغ فيه غير مرغوبٍ بتاتاً ولا يمكن لمجتمع أن يتقدم بأجيالٍ معنفة من أقرب الناس إليهم، فالتعنيف لم يكن يوماً مصنعاً للرجال أو مدرسةً لتعليم الأخلاق والقيم الحميدة. وقد حثنا نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – على نثر بذورالعطف والود والرحمة في تربيتنا لأبنائنا، والتقرب منهم في قوله عليه الصلاة والسلام: “ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا”، والعدل في المعاملة بين الأبناء وعدم التفريق فيما بينهم في قوله عليه الصلاة والسلام: “اتقوا الله واعدلوا في أولادكم.”
أتمنى من مؤسسات التنمية الاجتماعية والأسرية في الدولة أن تكثف جهودها بالنظر بعمق أكثر في هذه المشكلة، وتوعية المجتمع بمخاطره والبحث عن حلول جذرية للحد من تعنيف الأهالي لأبنائهم، بالتعاون مع جميع الهيئات والدوائر المختلفة، حتى لا تتكرر أمامنا مأساة الطفلة “وديمة”، تلك الزهرة البريئة التي ذهبت ضحية تعنيف والدها لها، وأصبحت ذكرى مؤلمة نرى من خلالها خطراً بات يهدد كيان الأسرة المتحابة، وأصبح إسمها يمثل قانوناً لحماية الطفولة من التعنيف النفسي والبدني، أصدره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم – رعاه الله – في مبادرة كريمة منه ومن باب حرصه وولاة أمورنا – رعاهم الله – على الاهتمام بالطفل، والاعتراف بحقوقه وعدم تكرار مثل هذه الحوادث، ومحاسبة كل من يتجرأ على قتل البراءة ومحو بسمتها من الوجود.

أنس الشيخ الهاشمي

إكتب تعليقك


حقوق الطبع والنشر 2009-2012 لـ مدونة بنات زايد | BanatZayed Blog جميع الحقوق محفوظة. يتم تطويره بواسطة CWS
izmit escort