مثالي! .. ولكن بدون تعليقات

الكاتب: 22 November, 2015
الزيارات: 24,927 مشاهدات

image

الحياة مليئة بمغريات تجذبنا إليها، وتحثنا على اقتنائها تماشياً مع التغيير الذي يسود كل مجتمع تبعاً للزمن
الذي يفرض نفسه عليه، بهدف تغيير نمط حياة كل واحد منا إلى الأفضل أو العكس اعتماداً على رؤيتنا لهذه التغييرات وتفاعلنا معها.
هل لنا أن نتخيل حياتنا دون اقتناء أحدث الهواتف الذكية؟ أو بدون الذهاب للسينما؟ أو بدون شرائنا لماركات عالمية من ملابس وساعات واكسسوارات؟ أو حتى دون السفر لأوروبا لقضاء العطلة الصيفية؟ سيجيبني البعض منكم باستحالة الحياة دون ما ذكرته وما لم يخطر على بالي من أمور أخرى لا نستغني عنها في حياتنا، والبعض الآخر منكم سيجيبني بالإيجاب وأنه يمكن للإنسان أن يجد السعادة بعيداً عن هذه المغريات، وأصحاب هذا الاتجاه في الحياة ممن لا تهمهم الماديات والمغريات المختلفة في حياتنا يلصقون بهم صفة المثالية في الحياة.
اختلف مفهوم المثالية عند الكثير من البشر، حيث أن هناك من ربط المثالية برفض فكرة اقتناء ما يقتنيه الجميع تماشياً مع الموضة العصرية والأفكار المتغيرة باسم القناعة الصادقة، وهناك من اعترض المشي على مبدأ المثالية لأنها تعني حرمان الفرد من الاستمتاع بالحياة واقتناء ما يريد ضمن حدود إمكانياته أو المجازفة بكل ما يملك.
لستُ بشخصٍ مثالي كما كانوا ينادونني خلال سنوات الدراسة رغم قناعاتي الخاصة تجاه بعض الأمور، لأن فلسفة المثالية تعتمد على تبني نمط حياة معين يقوم على مبدأ العصامية في الحياة، يتناقض مع أنماط حياة البشر المختلفة وحاجاتها بشكل إيجابي أم سلبي. وأحياناً قد يكون الشخص المثالي غير صادق مع نفسه قبل أن يكون كذلك مع الآخرين، رغبة في أن يكون موضع حديث الجميع بغرض كسب مؤيدين لنهجه. أي أن الشهرة هي هدفه الوحيد بعيداً عن الاعتراف أن هناك احتياجات في الحياة هي ضرورية بالنسبة إليه بغض النظر عن نوعها وكمها، فتضيع حياته هباءً على مبدأ لا يؤمن به بينه وبين نفسه ليرضي الجميع بفلسفة حياته، رغم أن إرضاء الناس غاية لا تدرك، وإرضاء الذات واجب عليه لأنها نفسه التي تهوى وتريد.
مفهوم المثالية الصحيحة هو احتواء الإنسان لاحتياجات ومغريات الحياة في إطار حاجاته الضرورية بعيداً عن التكلف والتصنع، وتقتضي بعدم حرمان الإنسان لنفسه من أي شيء إن كان ذلك محدداً ضمن حدود قدراته وإطار المعقول، فلم يخلق الله الإنسان في الدنيا ليعبده فقط، بل ليسعى في بناءها وزراعتها ويجعلها أفضل بيئة ليعيش عليها، وفي المقابل جعله يستمتع بجني ثمار ما حصدته يداه له هو ولمن معه، لتسعده وتهون عليه تعبه وشقاءه فيها.
نعم الله كثيرة ويتوجب علينا حمده وشكره عليها، والابتعاد عن المثالية الزائفة التي تفرض حرماناً تاما للإنسان من كل ما رزقه الله له. فكن مثالياً دون أن تبخل على نفسك في تدليلها، فذاتك لها حقٌّ عليك أيضاً.

إكتب تعليقك


حقوق الطبع والنشر 2009-2012 لـ مدونة بنات زايد | BanatZayed Blog جميع الحقوق محفوظة. يتم تطويره بواسطة CWS
izmit escort