المخدرات .. دمار الأمل بالحياة بدون تعليقات

الكاتب: 17 June, 2016
الزيارات: 17,397 مشاهدات

image

ثلاثون عاماً أمضاها مسن تجاوز الخمسين في إدمان المخدرات، وقد اعترف ببداية تعاطيه منذ أن كان في ال١٨ من عمره أمام ضابط في القيادة العامة لشرطة دبي، عندما قرر تغيير مجرى حياته وطوي صفحة الإدمان إلى الأبد، وسئم العيش في الظلام وفقدان الإحساس بلذة الحياة وقد وصل إلى سنٍ يكاد أن يحمل ثقله.
قضية صدمتني كثيراً كما حال الضابط الذي استمع لقصة ذلك المسن، أن يخسر هذا الرجل شبابه وحياته ومستقبله في إدمان المخدرات وكادت أن تقضي عليه وهو في هذا السن الحرج. ففضّل هذه الحقنة السامة بمواد مخدرة على حياة النقاء والتمتع بالصحة البدنية والنفسية، وحقنها داخل بدنه ليستبدل دماءه بسمومٍ قاتلة لتجري في عروقه، ويستبدل الهواء النقي باستنشاق المسحوق الأبيض المهلوس ليحتل عقله، ويعقبها بسيجارة تقتل رئتاه وتنقص من حياته وعمره ساعاتٍ ودقائق وثوانٍ، ويواجه الموت البطيء.
يعتقد أولئك المدمنون أنهم يدمرون ذواتهم فقط بعيداً عن المجتمع الذي ينتمون إليه، ويظنون أنهم باتوا منبوذين لمجرد دخولهم في أولى مراحل الإدمان. إلا أن الدمار الحقيقي يأتي من خسارة أمل في مدمن عندما يتعلق الأمر بإنقاذ حياة إنسان مريض، قد يكون هو مفتاح النجاة الوحيد بالنسبة له.
قصة ذلك المسن استذكرتني بقصة فيلم سينمائي آسيوي شاهدته السنة الماضية، حيث تتمحور قصته في ثلاث شخصيات، ألا وهي شرطي مدمن وشرطي مستقيم يحرص على أداء واجبه بتفانٍ وإخلاص، وفتاة صغيرة مصابة بالسرطان. فالشرطي المدمن كان فيما مضى ناجحاً في عمله وأقوى رجل أمن في مدينته، فبسبب مهمة فاشلة تنقلب حياته رأساً على عقب، وتجبره الكآبة وفقدان المسؤولية وعدم الاهتمام على الدخول إلى عالم المخدّرات، ليصبح مدمناً لا تفارقه الحقنة المخدّرة ولا مادة الهيروين التي يتعاطاها بين فترة وضحاها. والشرطي الطيّب هي شخصية أبٍ يبذل قصارى جهده في السهر على راحة فتاته الصغيرة المصابة بالسرطان، وتوفير العلاج المناسب لها حتى تعيش كغيرها من الأطفال، رغم تأكيد الأطباء على استحالة شفاءها بسبب عدم استجابة المتبرع لاتصالات المستشفى بضرورة الحضور للتبرع بعينة من عمود نخاعه لينقذ به حياة الطفلة. فيطمأنها والدها في كل مرة أن المتبرع موجود وسيأتي عما قريب، ليبقيها متفائلة ويجعلها تنهض من سريرها وتجري بين ممرات المستشفى مداعبة الأطباء الذين يشاركونها اللعب. وفي السجن، يتقابل والد القناة مع الشرطي المدمن دون علمٍ بهويته، عندما تلّفق له تهمة يسجن على إثرها ويتسبب بفوضى جنونية داخل السجن محاولاً إخبار الجميع أنه بريء ولم يحتمل الآلام التي تواتيه من عدم تجرعه للمخدّر لأيام، إلا أن مأمور السجن لم يكترث لصيحاته وأسكته بالضرب لأكثر من مرة لأنه مدمن مخدرات فقد صوابه بسبب اشتياقه لمسحوقه السام. ثم تنكشف الخدعة أمام الشرطي المدمن والطيب، عندما يعلمان أن معظم زنزانات السجن هي واجهات لحفظ بشرٍ سيتم انتزاع وبيع أعضائهم الحية لعصابات المافيا في الخارج. فيتمرد الشرطي الطيب مع ما يحدث رغم الإغراءات التي قدموها له لمساعدة ابنته المريضة، فدخل معهم في مواجهات دامية وساعده الشرطي المدمن على الهروب حتى وصل إلى المستشفى.
هناك رأى الشرطي المدمن فتاة تجري من الفرح وهي تؤشر إليه وتقول بأعلى صوتها أن الرجل الذي سينقذ حياتي قد جاء أخيراً بعد أن رأت صورته في هاتف جوال والدها، ولم يفهم أي كلمة مما قالته حتى بعد معاينة الأطباء له وعلاج إصاباته، فأخبره الطبيب المسؤول عن حالة الفتاة وأنهم حاولوا الاتصال به ليأتي ويتبرع بعمود نخاعه لينقذ حياتها نظراً لتطابق أنسجته الدموية مع أنسجتها، إلا أنهم قرروا في لحظة استحالة قبول أي تبرع منه عندما عقد العزم على إنقاذ حياتها كرد جميل والدها الذي أنقذ حياته، والسبب أنه مازال تحت تأثير الإدمان، وطبقاً للقانون يجب على المدمن وقبل تقديم أي تبرع طبي لإنسان مريض أن يشفى تماماً من الإدمان في مدة أقصاها ثلاث سنوات، وهي مدة طويلة لفتاة صغيرة أن تصمد حتى يشفى من إدمانه، وأكدوا له أن الطفلة لا أمل لها بالنجاة وقد تمكن منها السرطان. فسقط نادماً على ما اقترفته يداه بحقِّ نفسه التي قتلها بالمخدرات، وها هو اقترف جريمةً أخرى بحق فتاة كان الأمل الوحيد بنجاتها، فأصابه الخجل من مواجهته لها وهو على حاله المثير للشفقة والباعث بالعار على نفسه. ثم أخبرها في النهاية بحقيقة عجزه عن إنقاذ حياتها وأن عليها الانتظار حتى يشفى، فانفجرت عيناه دامعةً من البكاء عندما ردت عليه الفتاة بكل تفاؤل وإيجابية تزين البراءة مفرداتها “لا بأس! أنا قوية ويمكنني الانتظار حتى تشفى. لكن إن وعدتك بأني سأصمد في وجه المرض، هل تعدني بأنك ستأتي لإنقاذي؟” فلم يحتمل الشرطي المدمن هذه الكلمات القادمة من فتاة قوية قررت مواجهة مرضها القاتل بالصبر والانتظار حتى ينظَف بدنه من السموم التي كادت أن تقضي عليه، وتمنى لو أنها قتلته قبل أن يقتله سماع صوت الأمل من فاه فتاة صغيرة، فوعدها أنه سيعود إليها بسرعة ولن يتركها لوحدها حتى تشفى تماماً من المرض.
لذلك أخي الإنسان، إياك أن تفقد الأمل في نفسك مهما واجهت من مشاكل وإحباطات أثرت في حياتك بصورة سلبية، عبر رمي نفسك إلى التهلكة بالدخول إلى عالم مسمومٍ قد لا تكتب لك النجاة منه، وتكون سبباً في دمار نفسك أولاً، وموت أمل كل من يرقد على فراش المرض ينتظرك أن تأتي أنت لتنقذ حياته ولو بقطرة دم.

بقلم: أنس الهاشمي

إكتب تعليقك


حقوق الطبع والنشر 2009-2012 لـ مدونة بنات زايد | BanatZayed Blog جميع الحقوق محفوظة. يتم تطويره بواسطة CWS