“نسيم حامد” .. ملاكم في ذاكرة محبيه بدون تعليقات

الكاتب: 9 August, 2016
الزيارات: 40,435 مشاهدات

image

“أحلق كالفراشة وألسع كالنحلة” .. هذه كلمات الملاكم الأمريكي المسلم محمد علي كلاي أيام انتصاراته المتتالية ضد خصومه الذين أبرحهم ضرباً وجعلهم يندمون على التفكير في تحديه أمام الجميع، وهو من أعاد لرياضة الملاكمة مجدها المفقود عندما كانت مقتصرة فقط على ذوي البشرة البيضاء، وأعطاها بريقاً مميزاً لا يمكن لأحد أن يستنسخه أو أن يصنع مثله، وجعل من اسمه يتردد في حلبات الملاكمة العالمية على أفواه ملاكمين اتخذوا من قوته وشجاعته نهجاً لهم في الوصول إلى القمة بامتياز، ولا يملون أبداً بمناداته باسمه المعروف عند الجميع “العظيم .. محمد علي كلاي”، ومن بين من يفخر أن يردد هذا الاسم ويكرره لأكثر من مرة دون ملل وقد أعاد لرياضة الملاكمة اعتبارها بعد اعتزال ملكها محمد علي كلاي، ملاكم منحدر من جذور عربية ومسقط رأسه من شيفيلد البريطانية، قوي بضرباته، وسريع بمراوغته، ومرن في حركاته واستدراجه للخصم حتى يفقده تركيزه .. إنه الملاكم الصغير نسيم حامد.
اعتدت دائماً جمع قصاصاته وصوره من مختلف الصحف والمجلات، سواءً كانت أخباراً عن نزالاته القادمة وتحضيراته لها، أو أخباراً انتصاراته الملحقة بصور له محمولاً على أكتاف شقيقيه ورافعاً حزام بطولة الملاكمة العالمي بعد كل انتصار يحققه. في ذلك الوقت كان من الصعب علي متابعة مبارياته بشكل مباشر لأنها كانت محتكرة من قبل مجموعة راديو وتلفزيون العرب “art”، فاضطررت أن أتابع إعادتها على القناة العامة أو القنوات الأخرى التي تشتري حقوق عرض مبارياته وإن كانت معادة، وكنت أتفاعل بحماس عندما يلاكم ويشبع خصومه ضرباً بأسلوبه الذي يتميز به عن باقي الملاكمين، ولم أنفك عن تسجيلها على شرائط الفيديو إلى جانب لقاءاته ومؤتمراته الصحفية التي يصرح فيها دائماً أنه الأفضل ومستعد للنزال في أي وقت، ويغري متحديه بنظراته الثاقبة ويخبرهم من خلالها وبكل ثقة أنه سيهزمهم لا محالة. فأرى تفاعل جمهور الملاكمة مع نسيم لحظة دخوله إلى صالة الحلبة وهو يرقص على أنغام موسيقاه المفضلة، ثم يقفز متشقلباً بكل مهارة من على حبال الحلبة ويهبط على أرضيتها أثناء دخوله لها، مبهراً الجميع بخفة حركاته ورقصاته المستمرة حتى بداية المباراة، وهو الأسلوب نفسه الذي يتبعه لاستفزاز خصومه إضافة إلى سخريته منهم وابتساماته التي تفقدهم صوابهم إلى أن يسقطوا فريسة لمخالب هذا النمر وتلقيهم لوابل من اللكمات حتى يسقطوا، فينتصر نسيم عليهم إما بضربة قاضية تلزمهم المكوث على أرضية الحلبة، أو بالنقاط التي يحسبها لجنة تحكيم المباراة أو عندما يقرر الحكم بنفسه إنهاء النزال لصالح نسيم.
لعب نسيم ٣٦ مباراة منذ أول مباراة احترافية له في العام ١٩٩٢، وفاز في ٣٥ مباراة، ٢٩ منها مباريات بالضربة القاضية، وعدد منها بقرار من الحكم بإيقاف النزال، والبقية فاز بها بالنقاط، مقابل خسارة واحدة مُنيَ بها على يد المكسيكي أنطونيو باريرا بعد أن فاز عليه بالنقاط. وبعد آخر مبارياته التي تلت خسارته وفاز بها بالنقاط، قرر البرنس اعتزال الملاكمة في صمت ودون تصريح رسمي أمام المؤتمرات التي اعتاد الظهور فيها. فسّر البعض اعتزال البرنس نسيم بسبب تأثره بأولى خسارة له في تاريخه الحافل بالانتصارات، وعدم تقبله للهزيمة والتي أثرت على رغبته بالاستمرار في الملاكمة رغم فوزه في آخر مبارياته التي كانت في ٢٠٠٢، ثم خرج نسيم عن صمته مصرحاً عن سبب غيابه عن حلبات الملاكمة، وقدم عدداً من التصريحات، منها أنه افتقد كثيراً الأجواء التي كان يقضيها مع أصدقاءه قبل كل مباراة والأوقات الثمينة في التدريب بجدية قبل كل نزال، ويشتاق في كل لحظة العودة إلى حلبات الملاكمة ليلكم ويطرح خصومه أرضاً مرة أخرى والإحساس الرائع بالفوز، لكنه الآن لم يعد قادراً على ذلك لأنه عانى من آلام رهيبة في يديه بسبب قوة لكماته بعد كل مباراة، وهو إحساس كان يشعر به ولا يريد تكرار الشعور به مرة أخرى، وأنه قد حقق لنفسه الشهرة التي تمناها ونقش اسمه في عالم الملاكمة، ثم أنه قد حان الوقت ليمنح وقته لزوجته وأبناءه الثلاث.
وبعد اعتزال أحد أباطرة الملاكمة هذه الرياضة، أصبح نسيم حامد مثلاً أعلى للعديد من الملاكمين من خطوا خطواتهم الأولى في مشوار الملاكمة ومن حاز على أول بطولة له، يستلهمون منه القوة والشجاعة والإقدام على مواجهة التحديات، ولا يملون أبداً متابعة مبارياته والتدريب على نفس الأسلوب الذي يتبعه. لقد ترك نسيم بداخلهم بصمةً خاصة رآها في بعض المباريات التي حضرها وكان ضيف شرف فيها، ومنها مباراة لأحد أصدقاءه بإحدى بطولات الملاكمة العالمية، والتي فاز فيها على خصمه بالضربة القاضية، وقد لاحظ نسيم أنه من ضمن كثيرين من استلهموا منه أسلوبه في الملاكمة واستفزاز الخصم، وهو أضخم إنجاز لنسيم أن يرى روحه مرة أخرى تحلق كالفراشة وتلسع كالنحلة في نفوس محبيه ومعجبيه على حلبات الملاكمة، حتى وإن لم يكونوا من محترفيها، لأنه بالنسبة لهم أعظم بطلٍ أعطى للملاكمة رونقاً خاصاً يختلف عما أعطاه لها محمد علي كلاي، فلكل من محمد ونسيم أسلوبهما الخاص في إبهار معجبيهم من جمهور الملاكمة بمهاراتهم العالية، ولم يكترثوا أبداً للتعليقات الساخرة على صوره الحديثة التي يراها البعض مخزية من مظهره البدين وفقدانه لرشاقته المعتادة، لأنهم يَرَوْن نسيم بطلاً بروحه وعزيمته التي يقاتلون بها وليس مجرد جسدٍ مفتول العضلات.
لا أكترث لما يقال عن نسيم حتى بعد اعتزاله للملاكمة، وفقدانه لرشاقته والتي انتشرت صورها عبر مختلف المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي، لأن الملاكمة ستظل رياضة فيها الفائز والخاسر كأي رياضة أخرى. فمن اعتاد أن يكون فائزاً دوماً فسيأتي يوم ليخسر ولو لمرة واحدة، ومن اعتاد الخسارة دائماً سيكون الفوز حليفه في يوم من الأيام. ونسيم هو بطل عالمي بمعجبيه الذين كانوا ومازالوا يرونه البطل رقم ١ في رياضة الملاكمة، وبمحبيه من الملاكمين ممن اعتلى عرش بطولاتها مستلهماً وجود “الملك” معه على حلبات الملاكمة.

بقلم: أنس الهاشمي

إكتب تعليقك


حقوق الطبع والنشر 2009-2012 لـ مدونة بنات زايد | BanatZayed Blog جميع الحقوق محفوظة. يتم تطويره بواسطة CWS