“زواج القاصرات” .. اغتصابٌ مبكّر للطفولة بدون تعليقات

الكاتب: 27 August, 2016
الزيارات: 33,998 مشاهدات

image

ترددت كثيراً في الحديث عن الموضوع، فقد يكون أمراً عادياً تمت مناقشته على أكثر من منبر وبين أوراق نقاشٍ لم تحسم بنتيجة مقنعة، لكن عندما يتعلق الأمر بحياة إنسان في أولى مراحل حياته فيجب أن نضع عليه علامة استفهام لأكثر من مرة حتى نحصل على إجابة من ذوي الضمائر اليقظة والقلوب الرحيمة.
مخطىء من يعتقد أن زواج القاصرات كان حكراً فقط على مجتمعات تعاني من التخلف والجهل والفقر، فهي أيضاً موجودة في المجتمعات المنفتحة والمتقدمة مع بقاء بعض من آثار الفكر الجاهلي لدى بعض سكانها. والفتاة القاصر هي من لم تكمل سن الرشد الذي يؤهلها بتحمل مسؤولية نفسها، واتخاذ القرارات المتعلقة بحياتها ومستقبلها. وبسبب صغر سنها فهي قد تكون معرضة لعادة غريبة يـفرضه عليه أهلها بسبب ظروف الفقر وقسوة الحياة أو عادات متوارثة لا يمكن أن تحمل أي طابع إنساني، وهو تزويجها في سن طفولتها لرجل يكبرها سناً قد يصل إلى عمر والدها أو جدها، رغبة منهم من الخروج من حياة الفقر لقاء مغريات مالية يستلمها الأهل لقاء هذه الصفقة. فتراه الفتاة بنظراتها الطفولية لأول مرة في حياتها ولا تكن له سوى مشاعر الابنة البارة بوالدها ووالدتها. وفي المقابل، يعتقد من تزوجها وانتزع منها براءتها لحظة دخوله عليها أنه سيعوّض النقص والحرمان الذي عانى منه، وسيستعيد سنوات شبابه مرة أخرى بوجود فتاة صغيرة لن تكون أكثر من مجرد ممرضة تشرف على العناية به في أيامه الأخيرة من حياته.
الظروف المعيشية القاسية ليست بعذرٍ منطقي يدفع بكلا الوالدين لبيع طفلتهما لأجل شهوة رجلٍ لم يشبع من التهام النساء في حياته القصيرة، لأنه اعتداء صارخ على طفولة أبصرت الحياة لأول مرة بعدما نفخ الله بروحها ويأذن لها بالحياة، ولا يمكنها استيعاب معنى الحياة الزوجية وما يطرأ عليها من مسؤوليات، لأن حلم هذه الفتاة كأي طفلة أخرى في مثل عمرها، مقتصر على اقتناء دمية جميلة تشبهها في براءتها، أو شراء فستان جديد لتبدو به كأميرة في أجمل أعيادها، أكثر من تفكيرها في كيفية معاشرة رجلٍ سيغتصب طفولتها بمجرد أن يسلمها له أهلها بكامل زينتها، كعروس تنتظر الموت أن يدخل عليها ويبدأ بحساب الثواني المتبقية من حياتها كلما اقترب منها أكثر فأكثر.
ونجد من الأصوات من يؤيد هذه الفعلة ويساهم في تشجيعها بهدف دعم الزواج المبكر للفتيات، ويرضى أن يتزوج رجل كبير في السن فتاة في عمر ابنته أو حفيدته. وتلقى هذه العادة تقديساً كبيراً لديهم، لأنهم يربطون زواج الفتاة الصغيرة في هذه السن المبكرة، بقصة زواج الرسول – صلى الله عليه وسلم – من السيدة عائشة (أم المؤمنين) رضي الله عنها وهي في سن السادسة، ودخل عليها الرسول عليه الصلاة والسلام بعد أن بلغت سن التاسعة.
إلا أن هذه القصة تعددت رواياتها المختلفة، وخضعت لعمليات حسابية لتحديد سن زواج السيدة عائشة رضي الله عنها في ذلك الوقت وقد اختلفت الآراء حول ذلك. إضافةً إلى أن نضج الفتاة في ذلك الوقت كان مرتبطاً بالمناخ الصحراوي الذي عاشت وتأقلمت معه، وهو ما يساعد على بلوغ الفتاة بسرعة لتصبح في سن معين يسمح لها بالزواج.
من المهين جداً ربط زواج القاصرات كنايةً بزواج الرسول صلى الله عليه وسلم، من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. لأن فكره صلى الله عليه وسلم يختلف عن فكر من يريد الزواج من فتاة صغيرة. حيث أن زواجه عليه الصلاة والسلام منها كان مقدراً وأمراً من الله سبحانه وتعالى الذي أوحى له بالزواج بها. ولم يكن أبداً بدافع الشهوة كما يظن البعض كي يتخذه حجةً وتبريراً لتزويج قاصرة من رجل بالغ. ثم أن عائشة رضي الله عنها تختلف عن سائر الفتيات الصغيرات في ذلك الوقت، بسبب رجاحة عقلها والمكانة التي منحها إياها زوجها صلى الله عليه وسلم، وتلقيها العلم الشرعي في صغرها على يديه حتى بعد بلوغها لتنقله وتعلمه لسائر المسلمين، كما أنها أحب النساء إلى قلبه كما كانت خديجة رضي الله عنها. مما يعني أن عائشة كانت البكر الوحيدة التي تزوجها خير البرية صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج بعدها أي فتاة صغيرة في مثل سنها.
فنجد هنا اختلافاً ليس في الفكر فقط، وإنما في الدوافع أيضاً. فدافعه عليه الصلاة والسلام من زواجه بعائشة، هو أن تكون المساهم الأساسي في تعليم المسلمين أصول الدين بفرائضه ونوافله وواجباته، وليس رغبةً وشهوةً في التلذذ والاستمتاع بصحبة فتاة صغيرة في أولى سنوات طفولتها كما يفعل البعض للأسف الشديد.
فربط زواج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة عائشة رضي الله عنها في صغر سنها، بزواج رجل مسن من فتاة قاصر ذات عقلية تداعبها ألوان الحياة بدافع الهرب من الفقر، هي جريمة بحق الطفولة والإنسانية، وتدمير لمستقبل فتاة لن ترى من خلال نافذته سوى الخوف من ظلام الأمس الذي نهش في لحمها منذ صغرها، وحرمها من حقها في حياة مستقرة وسعادة الوجود في الدنيا مع من تحب، وتشويه لقدسية الزواج الذي شرعه الله سبحانه وتعالى، ليكون أساس الحياة الزوجية السعيدة القائمة على المودة والرحمة، كما قال جلّ علاه في محكم تنزيله:
“وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”.
ولا أملك سوى توجيه رسالة إلى رمزي العطف والرحمة والحنان، مضمونها “امنحوا فتياتكم طفولة سعيدة بدلاً من ارتكاب جريمة سترتدون ثوبها الأسود حداداً على روحٍ أزهقتموها دون ذنبٍ مدى الحياة”.

بقلم: أنس الهاشمي

إكتب تعليقك


حقوق الطبع والنشر 2009-2012 لـ مدونة بنات زايد | BanatZayed Blog جميع الحقوق محفوظة. يتم تطويره بواسطة CWS