“دراكولا” ..أسطورة مازالت تنزف دماً بدون تعليقات

الكاتب: 24 November, 2016
الزيارات: 110,530 مشاهدات

573265

البعض یعتقد بأن دراكولا مصاص الدماء الذي یظھر في أفلام الرعب السینمائیة ھو مجرد شخصیة خیالیة لا تمت إلى الواقع بصلة . لكن الحقیقة شيء آخر، فدراكولا حقیقي مئة في المئة، وقد عاش ھذا القاتل الرھیب في رومانیا القرن الخامس عشر. والغریب ھو أنھ برغم جمیع موبقاتھ وجرائمھ، وبرغم شلالات الدم التي أراقھا .. برغم ذلك كلھ .. یعد داركولا بطلا قومیا في نظر أغلب الرومان الیوم، فھو بنظرھم الرجل الذي دافع عن استقلال إقلیم والاشیا الروماني ضد المطامع العثمانیة والبلغاریة.

hqdefault

اسمھ الأمیر فلاد الثالث، حكم رومانیا لفترات متقطعة امتدت إجمالاً لسبع سنوات بين عامي 1455-1476، وشهرته تيبس أي “المخوزق” لأنھ كان مشھورا بخوزقة الناس بالجملة. أما لقب دراكولا فمعناه ابن التنین، وقد ورثھ عن أبیھ الأمیر فلاد الثاني الذي أكتسب ھذا اللقب بانضمامھ إلى ( عصبة التنین )، وھي عصبة واتحاد سري ضم مجموعھ من أمراء ونبلاء أوربا الوسطى والشرقیة للوقوف بوجھ المد التركي العثماني. فالأمیر فلاد عاش خلال فترة حرجة من تاریخ أوربا الشرقیة، فبعد سقوط القسطنطینیة على ید السلطان محمد الفاتح أصبح البلقان بأسره ساحة مفتوحة أمام الجیوش العثمانیة، وغدت مقاطعة والاشیا الرومانیة عالقة ما بین مطرقة العثمانیین وسندان الھنغاریین، وكلاھما طامع یتھدد كیان ووجود ھذه الأمارة الصغیرة، وقد زاد من الطین بلة، تناحر أمراء والاشیا المستمر على العرش، ومؤامرات النبلاء البویار الذین استغلوا ھذا التناحر لتعزیز نفوذھم ومصالحھم.

أمضى دراكولا ردحا من شبابھ برفقة شقیقھ الأصغر رادو في مدینة أدرنھ التركیة حیث بقیا ھناك لأربعة سنوات كرھائن لضمان ولاء والدھما للعثمانیین، ھناك تعلما اللغة التركیة وتعرفا على التقالید العثمانیة، ویقال بأن فلاد غالبا ما كان یتعرض للضرب والتعنیف من قبل الأتراك بسبب شخصیتھ الجریئة والمتحدیة، على العكس من شقیقھ رادو الذي اندمج كلیا مع الثقافة العثمانیة فأشھر أسلامھ وصار من المقربین إلى السلطان. ویبدو بأن تلك الفترة الصعبة من حیاة دراكولا قد أثرت في نفسھ كثیرا ولعبت دورا كبیرا في تأصیل كرھھ العمیق للأتراك، وھو كره لم یدانیھ في المرتبة سوى كرھھ لطبقة البویار في والاشیا، فھؤلاء كانوا قد تآمروا على والده وقتلوه، ودفنوا شقیقھ الأكبر حیا بعد أن اقتلعوا عینیھ.

فترة حكم دراكولا لم تتجاوز إجمالا السبعة أعوام كما قدمنا، وھي مدة قصیرة جدا مقارنة بأعداد البشر الذین قتلھم، والذین ناھز عددھم المائة ألف إنسان، أغلبھم من الأتراك والبویار. ففي إحدى رسائلھ لملك ھنغاریا یقول دراكولا: “لقد قتلت الفلاحین الأتراك من الرجال والنساء .. الشیوخ والشباب .. على طول الدانوب .. لقد قتلنا 23884 منھم، من دون حساب ھؤلاء الذین أحرقناھم أحیاء في بیوتھم  أو الذین قطعت رؤوسھم بواسطة جنودنا، لذلك یا جلالة الملك، علیك أن تعرف بأني قد نقضت السلام معھ – يعني السلطان محمد الثاني -“.

وبسبب ھذه المجازر الفظیعة، أرسل السلطان جیشا عثمانیا بقیادة حمزة باشا للاقتصاص من دراكولا وقتلھ، لكن ما أن عبر ھذا الجیش العرمرم إلى الضفة الأخرى من الدانوب حتى وقع في كمین محكم نصبھ لھ دراكولا وجیشھ الصغیر، وخلال ساعات فقط تبدد الجیش العثماني برمتھ، وأعتلى جنوده رؤوس آلاف الخوازیق التي نصبھا دراكولا لھم .. أطولھا كان خازوق حمزة باشا نفسھ.

ابتھجت أوروبا بأسرها لانتصار دراكولا على العثمانیین، فیما استشاط السلطان محمد الفتح غضبا لمصیر جیشھ، فجھز جیشا عثمانیا جرارا قاده بنفسھ للقضاء على دراكولا واحتلال والاشیا، لكن ھذه الحملة العسكریة لم تفضي إلى شيء، فدراكولا الخبیر بأسالیب القتال العثمانیة، لم یخض معركة ناجزة مع السلطان، وإنما لجأ لحرب العصابات، خصوصا أسلوب الغارات اللیلیة، وھي غارات ألقت الرعب في قلوب العثمانیین، وزاد من رعبھم واشمئزازھم ذلك المنظر البشع الذي كان ینتظرھم على سفوح التلال المحیطة بأسوار مدینة تراجوفشت الرومانیة، حیث انتصبت غابة كاملة من الخوازیق تكللت رؤوسھا المدببة بجثث عشرین ألف إنسان، غالبیتھم من الجند العثمانیین. ویقال بأن بشاعة ھذا المنظر، ورائحة تحلل الجثث التي لا تطاق، دفعت السلطان إلى التخلي عن فكرة مطاردة دراكولا فقفل عائدا على وجھ السرعة إلى عاصمتھ الجدیدة القسطنطینیة، وعوضا عن إرسال المزید من الجیوش لجأ السلطان إلى أسلوب جدید .. المال والدسائس .. وقد أتت ھذه الطریقة أوكلھا في النھایة، فتمكن رادو، شقیق دراكولا المتحالف مع العثمانیین من الإطاحة بأخیھ وتنصیب نفسھ أمیرا على والاشیا، في حین انتھى المطاف بدراكولا سجینا في ھنغاریا.

impalementbg012

إمارة رادو أستمرت قرابة العشرة أعوام، وبعد موتھ عاد دراكولا لیعتلي عرش الأمارة من جدید، لكنھ لم یبقى في منصبھ لأكثر من شھرین لیطاح بھ مجددا في عام 1476 حیث لقي حتفھ أخیرا أما اغتیالا أو خلال إحدى معاركھ مع الأتراك الذین قاموا بقطع رأسھ وإرسالھ إلى اسطنبول حیث عرض ھناك في مكان عام لیشاھده جمیع الناس ویتأكدوا من نھایة الوحش الذي بث الرعب في قلوبھم لسنوات طویلة. أما جسد دراكولا فیقال بأن بعض المخلصین لھ قاموا بدفنھ سرا تحت أحد الأدیرة القدیمة. وقام بعض المنقبین وعلماء الآثار بالتنقیب حدیثا في مقبرة تنسب إلى دراكولا، لكنھم لم یجدوا أي جسد، ویقال بأن التابوت كان فارغا، وھو الأمر الذي ساھم في زیادة الأساطیر والخرافات التي تحاك حول الرجل وحول حقیقة كونھ مصاص دماء.

c7c0064a3ca5e0b990b4d63d7b5933ea

فلاد دراكولا كان قاسیا جدا، لا یتورع عن قتل الناس لأتفھ الأسباب، إلى درجة أن أھل والاشیا كانوا یتركون حاجیاتھم في الأسواق من دون أن تمتد ید اللصوص ألیھا بالسرقة خشیة من عقاب وبطش دراكولا، إذ كان یوسط الناس، ویسلخھم أحیاء، ویشویھم على النار، ویقطع أطرافھم، ویفعل بھم الأعاجیب، وكان فنانا في استعمال الخازوق ..

impalementbg015

والخازوق ھو وتد خشبي مدبب الرأس یدفع بالقوة داخل جسد الإنسان، غالبا عبر فتحة الشرج، ثم یرفع ویثبت إلى الأرض بصورة عمودیة، فیرتفع المخوزق معھ حتى يبدو وكأنھ جالس فوقھ، ویبدأ رأس الخازوق في الغوص داخل جسده أكثر فأكثر بفعل الجاذبیة الأرضیة، حتى یخترق الأحشاء ویخرج عبر الفم أو الصدر، وتختلف سرعة وقوع الموت  بحسب خبرة الجلاد وإتقانھ لعملھ، فكلما كان رأس الخازوق مدببا ومدھونا أكثر، كلما كان مروره أسرع، وكلما أقبل الموت أبكر. ولم یكن دراكولا یكتفي بخوزقة الناس في أدبارھم، وھي الطریقة الشائعة، بل خوزقھم في بطونھم وأقدامھم وأیدیھم ورقابھم أیضا، وخوزق بالمقلوب!، أي من الفم إلى الدبر، ولم یستثن من ذلك النساء والشیوخ، ولا حتى الطفل الرضیع. فالرجل كان سادیا مجنونا .. في إحدى المرات أمر بتثبیت عمائم السفراء الأتراك بالخوازیق إلى رؤوسھم لأنھم رفضوا أن یخلعوھا احتراما لھ حین دخلوا بلاطھ. وفي مرة اجبر رجل من أعداءه على أكل كبد زوجتھ المذبوحة!، وكان یروق لھ أن یطبخ الناس في قدور كبیرة، ویتلذذ بقطعھم إلى نصفین بالسیف وھم أحیاء یصرخون.

أما قلعتھ فكانت مسلخ بشري مجھز بكل ما یخطر على البال من وسائل القتل والتعذیب. كانت مكانا مرعبا لا یتخیل الإنسان رؤیتھ في أبشع كوابیسھ، فزائر تلك القلعة الرھیبة كان علیھ أن یجتاز دربا طویلا للوصول إلى قاعة البلاط الرئیسیة، وعلى جانبي ذلك الدرب الموحش كانت تنتصب غابتان من الخوازیق یجلس علیھا مئات الناس ما بین حي ومیت، ومع كل خطوة یخطوھا الزائر كانت أنات وتوسلات المخوزقین تشنف آذانھ وتملئھ رعبا، وھي أصوات كان دراكولا شغوفا بسماعھا لأنھا بالنسبة ألیھ كانت أعذب من زقزقة البلابل، ولم یكن یحلو لھ تناول طعامھ إلا وھو یستمع إلیھا ویمتع ناظریھ بمشھد جلادیھ وجلاوزتھ وھم یقومون بتقطیع أوصال الناس وسلخھم أمامھ. ویقال بأنھ كان یستمتع أحیانا بشرب عدة كؤوس من دماء ضحایاه بعد مزجھا بالخمر، ولھذا اشتھر بین الناس كمصاص دماء. والظاھر أن الرجل لم یكن سویا وكان یعاني من اضطرابات نفسیة ومشاكل حقیقیة في عقلھ، فخلال فترة سجنھ التي امتدت لعدة سنوات في بلغاریا، كان یقوم بمطاردة الحشرات والجرذان في زنزانتھ لیقوم بخوزقتھا باستعمال عصي خشبیة صغیرة!.

ولعل أعظم مآثره، أو بالأحرى مجازره، ھي تلك التي ترافقت مع بدایة عھده كأمیر على والاشیا، حیث قام بدعوة البویار إلى حفل ضخم أقامھ على شرفھم، وخلال الحفل سئل دراكولا نبلاء البویار عن عدد الأمراء الذین عاصره كل منھم خلال حیاتھم، فطفق ھؤلاء یعددون، بعضھم قالوا بأنھم عاصروا أكثر من عشرة أمراء، وأقل واحد فیھم كان قد عاصر سبعة أمراء، فاستشاط دراكولا غضبا عند سماعھ لذلك، وقال لھم أنكم ما عاشرتم كل ھذا العدد من الأمراء إلا بسبب مؤامراتكم الخبیثة،  فلا یبقى الأمیر في منصبھ سوى سنوات قلیلة حتى یقتل أو یخلع بسبب دسائسكم وخیاناتكم؛ ثم ذكرھم بقتلھم لأبیھ، وقرعھم على تعذیبھم لأخیھ ودفنھم إیاه حیا، وفي النھایة أعطى إشارة لجلاوزتھ فانقضوا كالوحوش الكاسرة على البویار، یقطعونھم إربا إربا ویضعونھم على الخوزايق، حتى أفنوھم عن بكرة أبیھم، لكن دراكولا لم یكتف بذلك، بل أرسل جنوده یلاحقون البویار في طول البلاد وعرضھا، ینھبون ممتلكاتھم، ویغتصبون نسائھم ویستعبدون أطفالھم، ویقال بأنھ خوزق عشرات الآلاف منھم.

أخیرا فأنھ وبغض النظر عن قسوة دراكولا ودمویتھ إلا أنھ یعتبر بطلا قومیا في بلاده، فھو برأي البعض لم یفعل ما فعل إلا دافعا عن استقلال رومانیا، ویرى المؤرخین الرومان بأن أغلب القصص الدمویة التي رویت عنھ ھي أما مبالغ فیھا أو من اختراع وتلفیق أعدائھ، خصوصا الھنغاریین، الذین كانوا یبررون تقاعسھم عن مؤازرة دراكولا في حربھ مع العثمانیین بترویج ھذه القصص عنھ واتھامھ بالجنون، ویجدون في ذلك وسیلة لتبریر تبذیرھم وتبدیدھم للأموال التي كان یرسلھا لھم بابا روما لإقامة حلف مسیحي یدافع عن أوربا بوجھ العثمانیین. وفي المقابل فأن أغلب القصص والأخبار التي لدینا الیوم عن دراكولا أتت من مصادر أوربیة معاصرة لھ، خصوصا الألمانیة والبولندیة والروسیة، لذلك فأنھ من المستبعد كون جمیع تلك القصص ملفقة، والأرجح أن دراكولا كان قاسیا فعلا، لكنھ لم یكن فریدا من نوعھ في ذلك الزمان، فھو عاش في حقبة قاسیة كانت المجازر والمذابح ترتكب فیھا من قبل جمیع الأطراف.

المصدر: موقع كابوس

إكتب تعليقك


حقوق الطبع والنشر 2009-2012 لـ مدونة بنات زايد | BanatZayed Blog جميع الحقوق محفوظة. يتم تطويره بواسطة CWS