نداء “انتماء” بدون تعليقات

الكاتب: 8 February, 2017
الزيارات: 66,687 مشاهدات

IMG_7563

لا أذكرُ آخر مرةٍ قرأتني فيها .. في صحيفةٍ ما .. أو بين دفّتي كتابٍ مخبأٌ وسط آلاف المفردات .. أو في وثيقةٍ رسميةٍ محاطة بالأرقام والأختام، إن كنتُ أول كلمةٍ وقعت عيناك عليها. مجرد كلمةٍ عابرة في حياة الكثير من الأشخاص، ممن لا يعيروني أي اهتمام لأنني لا أعني لهم شيئاً .. وكلمةٌ تحملُ الكثير من المعاني المعترف بها، لدى فئة من الأشخاص من فهموا ما أعنيه، وأحبوا مناداتي بها لأني أعني لهم الكثير .. فهل أنتَ واحدٌ ممن كنتُ بالنسبة لهم مجرد كلمةٍ مهملةٍ وغير مفهومة؟ أم أنك واحدٌ ممن اهتم لإثبات وجودي وإن كنتُ أتطلبُ الكثير من الوقت والجهد حتى أظهر بإطلالةٍ تجعلني سبب سعادتكم؟

أحببتُ وحدتي كثيراً في ما مضى، لأنني كرهتُ هذه الابتسامات المبتذلة، والمجاملات الخادعة التي لا همّ لها سوى الشفقة على حالي بين مجامع الكلمات، في قواميس معقدةٍ تسببت بإظهاري بشكلٍ معقد وصعب الفهم على من يلفظوني بنبرات مختلفة لأول مرة، ومازالتُ أحب هذه الوحدة القاتلة لأنها الملاذ الآمن لي ولأحزاني المكبوتة، التي أرفض أن اطلق لها العنان أمام أشخاصٍ نبذوني من الوجود بينهم، لأنهم يجهلون أساسي وكياني اللغوي والمعنوي في الحياة.

أحياناً أشفق عليهم وعلى جهلهم المضحك الذي يتصنعوه أمامي، فور قراءتهم لي أو سماعهم لمفردتي بين شفاه من أعيش بداخل روحه في كل يومٍ من حياته، لأنني مجرد كلمةٍ دون نقاطٍ لا يعترفون بها وبوجودها في قاموسهم الحياتي المليء بأسرارٍ لا يعلمها إلا عالم الغيبات، ويجبرون عقولهم على التظاهر بأنني غير موجود بين مفردات حياتهم اليومية، ولا رسمية في وجودها بين أوراقهم ومستنداتهم وأملاكهم.

لا أدري إن كان علي أن أحزن من واقعي هذا، أو الاستمرار في التوهم بأنني سعيد بين من يحاولون إسعادي بأنني كلمةٌ مهمةٌ لديهم وتعني لهم الكثير. وإن كانوا يقصدون العكس، فأنا موجودٌ كإسمٍ في كتب التاريخ التي تناولتني بين حروبها وملاحمها وبطولاتها، وتحولتُ إلى اسمٍ ينطقه الجميع بكل فخرٍ، ممن يعترفون بي، ومن يجبرون على نطقي وهم يستكرهون وجودي بينهم لأنني لستُ بكلمةٍ ذات مغزىً رسمي حتى يفخرون بي، بقدر ما أنا دخيلٌ عليهم لأكون أثقل الكلمات الصعب نطقها عبر ألسنتهم.

هل هم خائفون مني؟ أم يخجلون من نطقي أمام الجميع لأنني لا أنتمي لقواميسهم الحياتية؟ أم مجرد وهمٍ يتظاهرون بأنه موجود بينهم أو مجبرون على الاعتراف به بينهم لفترة زمنية محددة، حفاظاً على ماء الوجه أمام الكلمات البرجوازية، رغم أنه ليس أكثر من صورة دون إطار يجمّلها؟ أصابني الدوار من هذه الخيارات التي سببت لي الألم والأسى على حالي لمجرد أنني موجود بينهم، وهم لا يرغبون حتى بلفظي أو التفاخر بأني جزءٌ منهم وإن كان بنسبةٍ بسيطة. أيقنتُ أنني مهما فعلت لأضع لنفسي مكاناً بين الجميع، فلن يتقبلني أحد لأنني أفضل لهم عندما أكون غريباً أو عدواً، اكثر من أكون حبيباً أو صديقاً أو عشيقاً.

أنا كلمةٌ لا تبحث عن مال ولا شهرة ولا شفقة، بقدر ما تبحث عن انتماء في قلبٍ يعترف بوجودها ويهديها حقوقها، كي تحيا بين إخوانها وأخواتها من الكلمات والمفردات بسعادة أبدية حتى يحين موعد فناءها، بدلاً من أن تكون منسيةً في حياتها.

فلا تحزن غداً إن بحثت عني ولم تجدني أمامك بعد أن حاولت التقرب منك بكل السبل، ووجدتني مجرد كلمةٍ تم الاعتراف بها رسمياً في وثيقة وفاةٍ تثبت فقط أنها كانت فيما مضى على قيد الحياة، واليوم أصبحت في عداد الأموات لأنها ناضلت لأجل أن تكون بقربك دائماً.

هل عرفتني الآن من أنا؟ ..

إن عرفتني فارسمني بقلمك في الأسفل، أو احملني بين صفحات كتبك أو في ذاكرتك المليئة بآلاف الكلمات التي تستعملها في حياتك. وإن لم تعرفني أو ما زلت تتجاهلني لأنني مختلفٌ عنك ولا أهمية لي في حياتك، فانسَ وجودي .. وعش سعيداً إلى الأبد.

بقلم: أنس الهاشمي

إكتب تعليقك


حقوق الطبع والنشر 2009-2012 لـ مدونة بنات زايد | BanatZayed Blog جميع الحقوق محفوظة. يتم تطويره بواسطة CWS