سعادة الموظف من منظور مستر Big Manager بدون تعليقات

الكاتب: 1 May, 2017
الزيارات: 75,019 مشاهدات

IMG_8210

موظف متفانٍ في عمله ويبذل جهداً كبيراً في إنهاء المهام الموكلة إليه على أكمل وجه، ويطمح أن يطور من نفسه وينتقل إلى مراحل متقدمة في مجال عمله تؤهله لأن يتولى منصباً أعلى من منصبه الحالي مستقبلاً أو أن يحصل على توصية تزيد من رصيده المهني. وبعد تعبٍ وسهرٍ كلفه ذلك صحته ووقته وعائلته، ينصدم بكابوس مزعج عندما يتسلم التقرير السنوي الخاص بتقييم أداءه الوظيفي الذي أعده مسؤول قسم الموارد البشرية وموقعاً من المدير المباشر للمؤسسة، أن تقييمه لا يتعدى تقدير “جيد” رغم معرفته من خلال ما يملكه من أوراق ورسائل إلكترونية تثبت أحقيته في الحصول على تقدير “ممتاز”، كنتيجة لأدائه الذي يراه فوق أداء أي موظف يلتزم بساعات عملٍ معينة ثم يذهب لمنزله، إلا أن صوت المنطق المرير المشتعل بداخله، يهمس له بضرورة التخلي عن فكرة إقناع الإدارة بأنه يستحق لأكثر من مجرد تقدير “جيّد” وعليه أن يحذف جميع هذه الأدلة، لأنها لن تكون ذات فائدة أمام “مستر Big Manager” الذي لن يقتنع بها مهما حاول معه بالوسائل السلمية والمنطقية بضرورة مراجعة قسم الموارد البشرية فيما يتعلق بإعادة التقييم طبقاً لما يحمله من ثبوتيات، لأنه بالنسبة له تهديد لمصالح ونفوذ ومستقبل هذا المدير البرجوازي.
تناولت مقالات متعددة عن حوادث مماثلة في بعض المؤسسات، تعرض لها موظفون أكفاء وقعوا ضحايا إدارات ظالمة هضمت حقوقهم بكل بساطة، وما يجمع هؤلاء أنهم موظفون يُضرب فيهم المثل في الأداء الوظيفي المتميز، إلا أنهم يعملون تحت إمرة إدارات يتزعمها مدراء لا يهمهم من يعمل ويجتهد في تطوير المؤسسة وزيادة الإنتاجية فيها، بقدر تركيزهم على كيفية المحافظة على مركزهم المخملي وبسط نفوذهم على الجميع بغض النظر إن كنت موظفاً نشطاً أم كسولاً. فما أن يقوم المدير بالتركيز عليك واستخدام أساليب التحريض الخفية للإطاحة بك، حتى تصبح في وضعٍ ميؤوس منه يخيّرك بين أن تستمر في العمل هكذا وفِي صمتٍ مطبق عن حقوقك، أو أن تواجههم فيكون مصيرك الإعدام بخيارات متعددة، منها الاستقالة طوعاً أو كرهاً، أو التفنيش الإجباري من المؤسسة لأي سبب قد يستخدمه المدير ضدك، أو تستقيل من وظيفتك وهم سيقدمون لك العون في ذلك، لأنك أيها الناجح والمتميز لا مكان لك في مؤسسة ذات إدارة فاشلة من شخص ينظر إليك على أنك أحد الرعاع الواجب عليك طاعته، أكثر من كونك موظفاً تسعى أن تكون قائداً مؤثراً في يوم من الأيام.
ومفهوم خدمة الوطن بالنسبة لهذا المدير البرجوازي مجرد عذرٍ يستخدمه مع الموظف كي ينسى حقوقه تماماً ويحاول إيهامه بأساليب ملتوية أنه موجود فقط لخدمة مجتمعه دون أي مقابل رسمي يحصل عليه لقاء عمله الدؤوب لساعات أو أيام إضافية بذل فيها مجهوداً مضاعف على أمل أن يقدّر مديره ما يفعله لرفع شأن المؤسسة والتؤهل إلى المراحل القيادية المتقدمة، ونجاحه بأداء واجبه على أكمل وجه، وكأن المطالبة بهذه الحقوق الوظيفية التي وقّع عليها في عقد عمله مع المؤسسة مجرد حبرٍ على ورق انتهت صلاحيته منذ أن بدأ العمل فيها.
وعند الحديث عن رؤيته للتوطين، فإنه يتباهى بأن مؤسسته أحد عشرات المؤسسات التي طبقت رؤية القيادة الرشيدة في توطين مختلف الوظائف، ومساعدة ابن البلد على أن يتبوأ مكانه المناسب في خدمة بلده، وفِي المجال الذي يناسبه، عبر توظيفه لذلك الموظف الذي يفهم رؤيته البعيدة  تماماً عن التوطين، والتي تتعلق بالحفاظ على مصالحه الشخصية واستمراره كمدير ناجح وزيادة نفوذه قوة. فيجعله في وقتٍ قياسي الموظف المفضل والرقم ١ بالنسبة إليه رغم عدم إنجازه لشيء يخدم به المؤسسة، أو يوظف تلك الحسناء التي دائماً ما تذهب لعملها في أجمل حلةٍ ترضي بها أعين مديرها الوسيم الذي لا يتردد أبداً في سرعة تنفيذ ما تريده من ترقية أو زيادة لا تستحقها في وقتٍ قياسي، طالما أنها تستغل جمالها ودلال غنجها في التسويق لمؤسسة مديرها عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وتلبس أغلى الماركات العالمية من ملابس وإكسسوارات لتسحر قلوب متابعيها وتحاضرهم عن مفاهيم الإيجابية والعمل الجاد والسعي لتحقيق الأهداف التي هي نفسها لا تطبق معانيها في واقعها المزحوم بالمظاهر الخداعة، وتطلب منهم وبصوتها الناعم أن يساهموا معها في مدح هذه المؤسسة ودعمها، وهم يجهلون خدماتها أو أنهم ليسوا بحاجة لها ويخدعون أنفسهم بحاجتها وقد حققت لهم السعادة.
وبهذا تحصل هذه العينة من الموظفين على تقييم أعلى من موظفي الطبقة الكادحة، ممن تعبت شفاههم من الشكوى من عدم حصولهم على كامل حقوقهم جراء خدماتهم لهذه المؤسسة الظالم مديرها، ومن الصعب عليهم حتى البحث عن فرصة أخرى وفِي مكان آخر وبنفس الامتيازات خوفاً من مواجهتهم لمثل هذا الكابوس في مؤسسة أخرى، خاصة إن كان موظفاً مستجداً أو حديث التخرج من الجامعة.
أساليب هذه الإدارات ستعجل من تدمير التوطين بشكل تام، وتنهار ثقة الموظف المواطن بإدارته التي يفترض بها الوقوف إلى جانبه وتدعمه بدلاً من أن تتآمر عليه إن كان من أصحاب الطموح والأمانة والسعادة التي يسعى لتحقيقها لمجتمعه الذي يدين له بالكثير، وعليهم أن يعلموا أن خدمة الوطن لا تعني أبداً تجاهل سعادة الموظف وراحته ونسيان حقوقه لأجل أن تتطور المؤسسة، لأنها أيضاً جزء من خدمة الوطن الواجب على هذا المدير البرجوازي أن يؤديها بأمانة وضمير .
هل قرأ هذا المدير كتاب “تأملات في السعادة والإيجابية” لسيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم؟ وتحديداً الفصل الذي يتعلق بمفهوم السعادة! .. فإن كانت إجابته بنعم، فلابد وأنه لم ينسَ كلامه عن تحقيق السعادة للموظفين عندما قال “دائماً انظر لفريق عملك بإيجابية، واعمل على تحقيق السعادة لهم ليحققوا السعادة للمجتمع من حولهم” .. ومن المستحيل أن يكون قد غاب نظره عن تفسير سموه لفشل عدد من القيادات وسقوطها عندما قال “فريق عمل يستطيع الوصول للمريخ، وفريق آخر لا ينجز معاملات ورقية! السبب القائد وبيئة العمل” .. إضافة إلى مقولته الأخرى التي أتمنى أن تكسر أنانيته العنيدة وتعيد له صوابه الضائع في وادي المصالح الشخصية عندما قال “دور الحكومة هو تمكين الناس وليس التمكن من الناس“.
لا أعتقد أن هذه الكلمات ستكون صعبة الفهم على مديرٍ في مثل مركزه، إلا إن أراد أن يكون في صفّ أولئك المسؤولين الذين أقالهم سموه بسبب تقصيرهم في أداء واجبهم، وودعهم باحتفالية شكرٍ وتقدير منه على خدماتهم في حكومته.
وهنا يكمن دور وزارة الموارد البشرية والتوطين في استحداثهم لاستبيان ذكي سنوياً يتم إرساله لكل موظف لتقييم أداء كل مدير مؤسسة، وإدراج ملاحظاتهم حول مدى مصداقيته في إدارة مؤسسته وتحقيق السعادة لموظفيه، ويتم ربطه بمؤشر السعادة الذي يضطلع عليه سموه ليصل صوت هذا الموظف إليه مباشرةً ودون تأخير حتى يتخذ الإجراء المناسب بحقه.

لذا عزيزي المدير .. كن مصدر الإلهام والسعادة لجنودك من القيادات الصغيرة والكبيرة، واترك أثراً إيجابياً يتذكره موظفوك عندما يصلون لأعلى المناصب بثقتك بهم، بدلاً من أن تكون سبباً في فشلهم عندما تحوّل مؤسستك إلى بيئة عمل طاردة لهم، وتشهر المؤسسة إفلاسها منك بسبب فشلك وأنانيتك.

بقلم: أنس الهاشمي

إكتب تعليقك


حقوق الطبع والنشر 2009-2012 لـ مدونة بنات زايد | BanatZayed Blog جميع الحقوق محفوظة. يتم تطويره بواسطة CWS